السيد محمد باقر الداماد ( الميرداماد )
503
تقويم الايمان وشرحه كشف الحقائق للعلوي ( تعليقات النوري )
[ 39 ] قال : « فإنّ انتفائه هو العلّة » أقول : وذلك لأنّ عدم العلّة التامّة للشيء علّة تامّة لعدمه ، ولمّا كان الوجوب والامتناع علّتين مستقلّتين للوجود والعدم كان الإمكان الذي حقيقته سلب ضرورتيهما علّة للحاجة إلى الجاعل فيهما . فإن قلت : إنّهما لمّا كانا علّتين للاستغناء وجودا وعدما عن العلّة مطلقا يلزم أن يكون الإمكان علّة للحاجة إليها ، وأمّا كون ذلك هو الفاعل بخصوصه فلا . قلت : إنّ العلّة بالحقيقة هو الفاعل وأمّا غيره من العلل فإنّما يرجع إلى كونها من شرائط تأثيره . وأيضا : انّ الإمكان وإن كان علّة للحاجة إلى العلّة مطلقا لكن البرهان دالّ على أنّه لا يصحّ أن يكون ذلك إلّا الفاعل لوجوده في الصادر الأوّل مع انتفاء غير الفاعل فيه قطعا وإلّا لم يكن صادرا أوّلا أو كان الإمكان على غير علّة مستقلّة ؛ فليتدبّر فيه . والحاصل : انّ الإمكان علّة فاعلة للحاجة إلى الفاعل بما هو إمكان ، وأمّا افتقاره إلى غيره من العلل فإنّما هو من حيث كونه مادّيا أو كونه غير صادر أوّل . « 1 »
--> ( 1 ) . ح : قوله : « فإنّ انتفائه هو العلّة » بناء على أنّ عدم العلّة للاستغناء علّة لعدم المعلول ؛ فثبت أنّ الإمكان علّة تامّة للحاجة ؛ لعدم الواسطة بينها وبين الاستغناء ، لكون التقابل بينهما بالسلب والإيجاب كما لا يخفى على أولى الألباب . فإن قلت : إنّ الوجوب والامتناع لمّا كانا مبدئين تامّين وعلّتين مستقلّتين للاستغناء عن العلّة مطلقا وجودا وعدما يلزم أن يكون عدمهما - أعني الإمكان - علّة للفاقة إلى مطلق العلّة سواء كانت فاعلة أو غير فاعلة . قلت : إنّ من المستبين أنّه لا يصحّ أن يكون بما هو هو علّة مستقلّة للفاقة إلى غير الجاعل وإلّا يلزم إمّا أن لا يكون الصادر الأوّل بصادر أوّل وإمّا أن لا يكون ما هو المستقلّ في العلّية بمستقلّ ؛ وذلك حيث إنّه لو وجد ما هو غير الفاعل من شرائط وجوده فقد لزم الأوّل وإن لم يوجد فتأتّي الثاني ؛ وأمّا خصوصيات الافتقار إلى الشرائط والمصحّحات فناشية عن خصوصيات ذوات الممكنات لا بما هي ممكنات بل بما هي مادّية أو مجرّدة صادرة في المرتبة المتأخّرة عن الصادر الأوّل وبالجملة : انّ للمادّيات إمكانا آخر استعداديا يتخصّص وجوداتها بأزمنتها المتخصّصة واعتباراتها المتعيّنة بحسبه . فلذا تسمع الرئيس انّه يقول : « إنّ إمكان الخير والكمال في الموجودات عنه - جلّ وعلا - مختلف ؛ فإنّ امكان الخير في المعقول والأبديات هو بخلاف إمكانه في الكائنة الفاسدة ، وكلّ شيء يقبل الخير والكمال بحسب ما في حدّه ؛ فقد تبيّن أنّ الإمكان الذي حقيقته سلب ضرورتي الطرفين علّة للفاقة إلى الجاعل بما هو إمكان وإلى غيره لا بما هو هو . ومن تضاعيف الكلام ظهر لك - إذا نظرت بعين البصيرة في المرام - امتناع الأولوية الذاتية للماهيّات الجوازية سواء قيل بكفايتها لوجود تلك الماهيّات أو لم يقل ؛ وذلك حيث إنّه ليس الممكن بما هو ممكن إلّا لا ضروريّ التقرّر واللاتقرّر ، وكون الوجود هو الخير اللائق في الواقع بحال الممكن لا يخرجه عن ذلك نظرا إلى ذاته بما هو ممكن . وأيضا : انّ الأنسبية والأليقية بهذا المعنى تشبه الأولوية الخارجية التي حقيقتها كون صيرورة أحد الطرفين بها لممكن أولى من الآخر مقيسا إلى الخارج ؛ ألا يرى أنّ الاستيناس بعالم الملكوت والاستيحاش عن عالم الناسوت هو الأليق والأولى للأنفس الإنسانية مع عدم إمكان حصولها إلّا بالتأييدات الربّانية .